ابن خلكان

516

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

أبي الحسين النحوي المنبوز بثلط الفيل ، المتصدر في موضعه ، وقيل : إن كل واحد من هؤلاء كان يهبها لتلميذه ويعهد إليه بحفظها « 1 » . ولقد اجتهد جماعة من الطلبة في نسخها ، فلم يتمكنوا من ذلك ] « 2 » . وانتفع الناس بعلمه وتصانيفه . وكانت وظيفته بمصر أن ديوان الإنشاء لا يخرج منه كتاب حتى يعرض عليه ويتأمله ، فإن كان فيه خطأ من جهة النحو أو اللغة أصلحه كاتبه ، وإلا استرضاه فسيروه إلى الجهة التي كتب إليها ، وكان له على هذه الوظيفة راتب من الخزانة يتناوله في كل شهر ، وأقام على ذلك زمانا . ويحكى أنه كان يوما في سطح جامع مصر وهو يأكل شيئا وعنده ناس ، فحضرهم قطّ فرموا له لقمة ، فأخذها في فيه وغاب عنهم ثم عاد إليهم ، فرموا له شيئا آخر ففعل كذلك ، وتردّد مرارا كثيرة وهم يرمون له وهو يأخذه ويغيب به ثم يعود من فوره ، حتى عجبوا منه ، وعلموا أن مثل هذا الطعام لا يأكله وحده لكثرته ، فلما استرابوا حاله تبعوه فوجدوه يرقى إلى حائط في سطح الجامع ، ثم ينزل إلى موضع خال صورة بيت خراب ، وفيه قط آخر أعمى ، وكل ما يأخذه من الطعام يحمله إلى ذلك القط ويضعه بين يديه وهو يأكله . فعجبوا من تلك الحال ، فقال ابن بابشاذ : إذا كان هذا حيوانا أخرس قد سخر اللّه سبحانه وتعالى له هذا القط ، وهو يقوم بكفايته ولم يحرمه الرزق ، فكيف يضيّع مثلي ؟ ثم قطع الشيخ علائقه واستعفى من الخدمة ونزل عن راتبه ولازم بيته واشتغاله متوكلا على اللّه سبحانه وتعالى . وما زال محروسا محمول الكلفة إلى أن مات عشية اليوم الثالث من رجب سنة تسع وستين وأربعمائة بمصر ، ودفن في القرافة الكبرى ، رحمه اللّه تعالى ، وزرت بها قبره ، وقرأت تاريخ وفاته على حجر عند رأسه ، كما هو هاهنا . وكان سبب موته أنه لما انقطع وجمع أطرافه وباع ما حوله وأبقى ما لا

--> ( 1 ) ذكر القفطي أنه أرسل من حلب من يشتري له تلك التعليقة بأي ثمن بلغت ، فذكر له الشخص المرسل أنها صارت إلى الملك الكامل محمد بن العادل . ( 2 ) ما بين معقفين لم يرد في المسودة .